تقبيل الحجر الأسود

يعدّ تقبيل الحجر الأسود من الأعمال المشروعة في الحجّ والعمرة، ولمن يطوف بالكعبة المشرفة من القادرين عليه، إذ إنّ تقبيل الحجر الأسود من سنن الطواف؛ فقد ثبت فعل ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما التزم فعله من جاء بعده من الصحابة -رضوان الله عليهم-، بدلالة قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما قبّل الحجر الأسود: (أَمَ وَاللَّهِ، لقَدْ عَلِمْتُ أنَّكَ حَجَرٌ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ).[١][٢]


أمّا من عجز عن تقبيله أو خشي الزحام؛ جاز له استلامه باليد ثمّ تقبيلها، لما ثبت عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنّه كان يستلم الحجر بيده ثم يقبّله، وقد قال في سبب ذلك: (ما تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- يَفْعَلُهُ)،[٣] وإنْ عجز عن استلامه باليد جاز له استلامه بما في يده -من سواك أو أراك أو نحو ذلك- على مذهب جمهور الفقهاء، استدلالاً بما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك؛ فعن جابر بن عبد الله أنّه قال: (طاف رسولُ اللهِ بالبيتِ في حجةِ الوداعِ على راحلتِه، يستلمُ الحجرَ بمحجَنِه لأن يراهُ الناسُ، وليُشْرِفَ، وليسألوهُ، فإنَّ الناسَ غشُوهُ).[٤][٢]


وإن عجز عن ذلك كلّه أشار إليه باليد إشارة؛ فهذا تخفيف ورحمة بالناس وأحوالهم؛ وينبغي التنبيه إلى أنّ المزاحمة والتدافع بين الرجال والنساء أمر لا يرضي الله -سبحانه-، ومدخل من مداخل الإثم والفتنة؛ فقد يترتب على ذلك كشفٌ للعورات، ولمس للنساء الأجنبيات، والتعرّض لمدافعة الرجال؛ فكل هذه السلوكيات لا تليق بأشرف البقاع وأطهرها، والأفضل انتظار وقت يقلّ فيه أعداد الطائفين بالكعبة المشرفة، أو الاستغناء عن ذلك بما بالإشارة والاستقبال باليد أو السواك ونحوه.[٥]


تقبيل الركن اليماني

يُستحب استلام الركن اليماني عند جمهور الفقهاء دون تقبيل؛ لأنّ ما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- استلامه فقط من غير تقبيل، فعن ابن عمر -رضي الله عنه- أنّه قال: (لَمْ أَرَ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ إلَّا الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ)،[٦]وقد استحب الشافعية وبعض الحنابلة تقبيل الركن اليماني مع الاستلام.[٧]


الحكمة من تقبيل الحجر الأسود

إنّ كثيراً من العبادات المشروعة والمسنونة قد لا يُعلم منها الحكمة على وجه التحديد، ويتجلى للباحثين في النصوص الشرعية بعض الاجتهادات في ذلك، وقد بحث العلماء عن الحكمة من مشروعية تقبيل الحجر الأسود، وتوصلوا إلى الآتي:[٨]

  • تعظيم الله -سبحانه وتعالى-، وتعظيم شعائره؛ لقوله -سبحانه-: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ).[٩]
  • التعبد لله -تعالى- باتباع سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
  • إقامة ذكر الله -تعالى-؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّما جُعِلَ الطَّوافُ بالبَيتِ وبيْن الصَّفا والمروةِ، ورَميُ الجِمارِ؛ لإقامةِ ذِكرِ اللهِ).[١٠]
  • الشعور بالسكينة والعظمة والقرب من الله -تعالى- أثناء الطّواف بالبيت وأداء سننه.


كما قد يكون في تقبيل الحجر الأسود تذكّر لقصة تحكيم النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ في منازعة قريش والقبائل الأخرى أثناء وضع الحجر الأسود مكانه، ومن قبلها قصة بناء الكعبة المشرفة على يد سيدنا إبراهيم -عليه السلام-، وتنزيل الحجر الأسود له من الجنة.

المراجع

  1. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عمر بن الخطاب، الصفحة أو الرقم:1270 ، صحيح.
  2. ^ أ ب مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية، صفحة 129، جزء 13. بتصرّف.
  3. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم:1268، صحيح.
  4. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله ، الصفحة أو الرقم:1218، صحيح.
  5. مجموعة من المؤلفين، مجلة البحوث الإسلامية، صفحة 72، جزء 67. بتصرّف.
  6. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم:1609، صحيح.
  7. محمد بن علي بن حزام البعداني ، فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام، صفحة 228، جزء 5. بتصرّف.
  8. محمد صالح المنجد ، موقع الإسلام سؤال وجواب، صفحة 3658، جزء 5. بتصرّف.
  9. سورة الحج، آية:32
  10. رواه ابن خزيمة، في صحيح ابن خزيمة، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم:475 ، أخره في صحيحه.