الاضطباع في العمرة

يُقصد بالاضطباع: أن يجعل المُحرم وسط ردائه تحت كتفه اليمنى، ويردّ طرفيه على كتفه اليسرى، مع بقاء الكتف اليمنى مكشوفة؛ وهو مشروع في حقّ الرجال دون النساء، لأنّ الاضطباع يقوم على كشف الجسم -وهي الكتف اليمنى-، وهذا متعذّر في حقّ النساء؛ لأنّ الأصل فيهنّ التستر وعدم التكشّف.[١]


ويعدّ الاضطباع سنّة من سنن الطواف في العمرة؛ فقد ثبت في عدد من الأحاديث النبويّة أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- طاف مضطبعاً؛ فقد صحّ عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- أنّه قال: (إنّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ- وأصحابَهُ اعتمَروا منَ الجِعرَّانةِ، فرمَلوا بالبيتِ وجعَلوا أرديتَهُم تحتَ آباطِهِم قد قَذفوها علَى عواتقِهِمُ اليُسرى)؛[٢] وفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه هو ما يُطلق عليه بالاضطباع؛ كما أشرنا سابقاً.[١]


متى يُشرع الاضطباع في العمرة؟

يُشرع الاضطباع في العمرة -للمفرد والقارن- في طواف القدوم خاصة؛ ويكون في الأشواط السبعة كلّها، فإذا أتمّ المُحرم الطواف ستر منكبيه، ثم توجّه لصلاة ركعتي الطواف، ولا يُشرع الاضطباع في أنواع الطواف الأخرى؛ كطواف الوداع، وطواف الإفاضة،[٣] ويجوز للمُحرم أن يتهيأ للاضطباع قبل دخوله الطواف،[٤] وإن كان وقته عند بعض أهل العلم قبل استلام الحجر الأسود، أيّ عند استقباله،[٥] وقيل بعد استلامه؛[٦] وكلّ ذلك جائز لا حرج فيه.


الحكمة من الاضطباع في العمرة

ذهب أهل العلم إلى القول بأنّ الأصل في تشريع الاضطباع بالطواف؛ كان من باب إرهاب المشركين، واستعراض أعداد المسلمين وقوتهم، وبأسهم، وقدرتهم البدنيّة؛ وذلك لمّا دخلوا مكة المكرمة لأداء العمرة مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ففي الحديث أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه: (إنَّ قومَكم غدًا سيرونَكم؛ فليرونَّكم جلدًا، فلمَّا دخلوا المسجدَ استلَموا الرُّكنَ، ورَملوا والنَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- معَهم...).[٧][٨]


أمّا عن بقاء الاضطباع بعد زوال العلّة التي من أجلها شرعه الله -تعالى-؛ فيكون للآتي:

  • أن يكون الاضطباع من باب العبادة والقربة لله -تعالى-، حاله كحال الكثير من المناسك.[٦]
  • تذكّر الوقائع الماضية، وأحوال السلف السابق من العزة والقوة، واستحقاقهم نعم الله -تعالى- وإكرامه، فيكون ذلك باعثاً لامتثال أمر الله، والمبادرة إليه، وتعظيم مكانة الأولين في النفوس.[٩]
  • قيل إنّ في ذلك فائدة في التَّشجيع والعون على الإسراع في المشي والرَّمَل؛ لأنَّ الرَّمَل والاضطباع متلازمان في الطواف.


بعض التنبيهات المتعلقة بالاضطباع

نبّه بعض أهل العلم إلى عدد من الأمور المتعلّقة بالاضطباع وأحكامه، فقالوا بما يأتي:[١٠]

  • لا يترتب على ترك الاضطباع شيء من فدية أو نحوها، على الصحيح عند أهل العلم.
  • يكون الاضطباع في الطواف الذي يُرّمل فيه على أرجح الأقوال؛ إلا أنّ الاضطباع يكون في الأشواط السبعة، والرّمََل يكون في الأشواط الثلاثة الأولى.
  • إنّ الاضطباع سنة من سنن الطواف، فيُكره استدامته بعد انتهاء الطواف، كما يُكره صلاة ركعتي الطواف على هيئة الاضطباع.
  • لا يُشرع الاضطباع في غير ملابس الإحرام؛ إذ لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنّه فعل ذلك وهو غير محرم، أو أنّه أمر أحداً بذلك.
  • من ترك الاضطباع في الأشواط الأولى لعذر أو نسيان أو جهل أو نحوه؛ جاز له تداركه في الأشواط الباقية.
  • لا يُشرع قضاء الاضطباع لمن تركه في الطواف المسنون فيه.
  • يجوز للصبيّ أن يضطبع إلحاقاً بحكم الرجال؛ لا سيما أنّه يُسنّ له الإحرام بإزار ورداء كالرجال.
  • لا يُشرع الاضطباع لأهل مكة المكرمة أو من أحرم منها؛ إذ إنّ الاضطباع يكون بحق الآفاقيّ، الذي جاء من خارج مكة المكرمة، وأحرم من خارجها.
  • لا يُشرع للراكب أو للمحمول الاضطباع.

المراجع

  1. ^ أ ب محمد بن علي بن حزام البعداني، فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام، صفحة 237-238، جزء 5. بتصرّف.
  2. رواه أبو داود، في سنن أبي داود، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم:1884، صححه الألباني.
  3. ابن عثيمين، مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، صفحة 309-310، جزء 22. بتصرّف.
  4. الشافعي، الأم للشافعي، صفحة 190، جزء 2. بتصرّف.
  5. أحمد بن حنبل، الجامع لعلوم الإمام أحمد الفقه، صفحة 52، جزء 8. بتصرّف.
  6. ^ أ ب ابن تيمية، عمدة الفقه كتاب الحج، صفحة 422، جزء 2. بتصرّف.
  7. رواه ابن ماجه، في سنن ابن ماجه، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم:2953، صححه الألباني وقال على شرط مسلم.
  8. عبد الله بن إبراهيم الزاحم، أحكام الاضطباع والرمل في الطواف، صفحة 233-234. بتصرّف.
  9. محمد سليمان الأشقر، أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية، صفحة 430، جزء 1. بتصرّف.
  10. عبد الله بن إبراهيم الزاحم، أحكام الاضطباع والرمل في الطواف، صفحة 310-313. بتصرّف.